خارج عن المألوف

في قلب الأعماق: قراءة مبسطة لرواية “مملكة بلهمبار”

أن تفتح صفحة من رواية “مملكة بلهمبار”، هو أن تترك اليابسة طواعية، وتغوص في بحرٍ يختلط فيه الواقع بالحلم، والتاريخ بالأسطورة، والإنسان بالمجهول.
الرواية التي كتبها الدكتور عبدالرحمن بن سالم الكواري، تحملك إلى قرية قطرية عام 1925، على مشارف إعصار بحري قلب حياة الجميع. هناك، يبدأ كل شيء مع شاب اسمه “سيف” يعيش مرارة فقدان والده في البحر. لكن الفقد هنا ليس نهاية، بل بداية لرحلة طويلة من التساؤل والمواجهة، رحلة لا تقف عند حدود القرية، بل تمتد إلى أعماق البحر، حيث مملكة غامضة، وكائنات غير مألوفة، وكنوز تحمل لعنة أكثر مما تحمل وعدًا بالنجاة.
من الواقع إلى الخيال… بسلاسة
أحد أجمل ما في الرواية هو الطريقة التي تم بها الانتقال من الواقع البسيط إلى الأسطورة الغرائبية. تبدأ الرواية بأسلوب واقعي جدًا: حياة بسيطة، شخصيات مألوفة، مشكلات يومية. نرى الصيادين، نسمع بكاء الأمهات، نشهد لحظة الغضب، ثم… تظهر كرة لؤلؤية، ثم صندوق غامض في أعماق البحر، ثم أصواتٌ لا تُفهم، وضبابٌ لا يُخترق، ومملكة لا تنتمي للعالم الذي نعرفه.
لكن الغريب أن هذا التحول لم يكن صادمًا، بل جاء بشكل تدريجي ذكي. لم نشعر أن المؤلف قفز بنا، بل قادنا بهدوء من سطح الواقع إلى قاع الأسطورة، وكأننا كنا دومًا هناك ولم نكن ندري.
تطور الشخصيات: كل شخصية مرآة لصراع داخلي
“سيف”، بطل الرواية، هو ليس مجرد شاب يبحث عن أبيه. إنه شاب يبحث عن نفسه، عن معنى الغياب، عن حدود الحقيقة، عن دوره في هذا العالم. في البداية نراه غاضبًا، ساخطًا، لكنه يتغير تدريجيًا مع كل اكتشاف، حتى يصبح رمزًا للباحث عن الحقيقة، حتى لو كانت في عالمٍ آخر.
شخصيات أخرى مثل “أم سيف”، و”سعدون”، و”أبو ناصر”، ليست شخصيات ثانوية بل تنمو مع الأحداث. كل واحد منهم يمثل جانبًا من الإنسان الخليجي: الأم الصابرة، الصديق الطامع، الحكيم الحذر… وكلهم يتفاعلون مع الحدث الغرائبي بطريقتهم، مما يضفي على الرواية عمقًا إنسانيًا صادقًا.
الصراع: من الفقد إلى مواجهة الأسطورة
الرواية لا تكتفي بصراع واحد، بل تنتقل بنا من صراع داخلي (الحزن، الشك، الغضب)، إلى صراع اجتماعي (القرية، النبذ، الطمع)، ثم إلى صراع ميتافيزيقي: مع المجهول، مع مملكة لا تخضع لقوانيننا، مع قدرٍ لم يختره أحد.
تلك الكرة اللؤلؤية، التي يتقاتل الجميع على امتلاكها، تمثل هذا الصراع كله. هي رمز للمعرفة، للسلطة، وربما للفتنة التي يمكن أن تدمّر من يطمع بها دون وعي.
تقييم موضوعي لأسلوب الدمج بين الواقع والأسطورة
إذا نظرنا للرواية بعيون ناقدة، بعيدًا عن المشاعر، فسنجد أنها نجحت بشكل كبير في تحقيق “وحدة عضوية” بين الواقع والخيال. لا يشعر القارئ بأن الأسطورة دخيلة، بل كأنها الوجه الآخر للواقع.
البحر في الرواية ليس فقط مكانًا للأحداث، بل هو كيانٌ حي، يتكلم، يغضب، يخفي، يكشف، يختبر. ومملكة بلهمبار ليست مجرد فكرة غرائبية، بل هي رمزٌ للاختلاف، للعوالم الموازية داخلنا، لما نخفيه خلف ابتسامتنا اليومية.
حتى اللغة كانت في خدمة هذا الدمج: فهي تبدأ بسيطة ومألوفة، ثم تصبح أكثر شعرية وغموضًا كلما اقتربنا من قلب الأسطورة. كذلك الزمن، يبدأ بتأريخ واضح، ثم يصبح زمنًا رمزيًا، يتجاوز الأيام ليعبّر عن مراحل داخلية يمر بها الأبطال.
خلاصة التجربة
رواية مملكة بلهمبار ليست فقط رحلة في أعماق البحر، بل رحلة في أعماق الذات. هي قصة فقد، لكنها أيضًا قصة أمل، بحث، وتحوّل. وهي قبل ذلك وبعده، عمل أدبي متماسك يحمل قيمة فنية عالية في بنائه، رموزه، شخصياته، وغرائبيته التي لا تبهرك فقط، بل تجعلك تفكر.
إنها الرواية التي تقول لنا: لا تصدق كل ما يُقال لك، ولا تكتفِ بما يظهر على السطح. أحيانًا، الإجابات الحقيقية تكمن هناك… في الأعماق.

الدكتور مرزوق بشير بن مرزوق
كاتب وباحث في الدراما والاعلام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى